الثلاثاء، 27 ديسمبر 2011
الثلاثاء، 5 يوليو 2011
المساواة في الإسلام
في مجال المساواة جاء الإسلام بالعجب العجاب :
منذ أربعة عشر قرناً في الوقت الذي كان يدعي فيه بعض من قياصرة الرومان أنهم من نسل الآلهة و يدعي بعض آخر أن ما يجري في عروقهم ليس من نوع دماء عامة الناس و لكنه الدم الأزرق الملكي النبيل و في الوقت الذي كان يستعلي فيه الناس في جزيرة العرب نفسها بأنسابهم و أحسابهم
جاء الإسلام يقرر المساواة الكاملة بين الناس جميعاً لا امتياز لأحد علي أحد و لا لشعب علي شعب بسبب الجنس أو اللون
قال الله تعالي : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }(سورة الحجرات 13)
و قال تعالي :{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}(سورة النساء 1 )الناس إذن كلهم من أصل واحد و من نفس واحدة و لا فضل لأحد علي الآخر بسبب عنصره و إذا كان سبحانه و تعالي قد جعل الناس شعوباً و قبائل فليس ذلك لتفضيل شعب علي شعب أو قبيلة علي قبيلة و إنما قسَمهم هذا التقسيم ليكون ذلك وسيلة للتعارف و التمييز بينهم
و هذا رسول الله صلي الله عليه و سلم يقول في خطبةالوداع :" أيها النتاس إن ربكم واحد و إن أباكم واحد كلكم لآدم و آدم من تراب ليس لعربي علي عجمي و لا لعجمي علي عربي و لا لأحمر علي أبيض و لا لأبيض علي أحمر فضل إلا بالتقوي ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب " و يقول رسول الله صلي الله عليه و سلم : " الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي علي أعجمي إلا بالتقوي "
مساواة مطلقة كاملة يقررها الإسلام فلا امتياز لإنسان علي إنسان بسبب لونه و لا امتياز لإنسان علي إنسان بسبب الغني و الثروة أو الجاه و المركز و الحسب
و هذه المساواة تشمل الحقوق و الواجبات جميعاً و من أخصها المساواة في المسئولية و الجزاء و أمام القضاء
إن في تاريخ الإسلام من القصص التي توضح أن هذه المبادئ السامية لم تكن كلاماً و لكن كانت واقع يشهده العدو قبل الصديق علي عدالة الإسلام و أنه كان يسوي بين السادة و العامة بين الملوك و الصعاليك
و حسبي أن أقرر أن الإسلام تتبع كل ناحية من حياة الناس فأكد فيها معني المساواة و جعلها من العقائد الأساس التي يجب أن يدين بها كل مسلم
و لكن أي مساواة ؟
إنها المساواة التي تنبع من الإيمان بأن الناس جميعاً متساوون في طبيعتهم البشرية فلا يفضل أحد غيره بسبب عنصره أو لونه أو جنسه أو نسبه أو جاه أو مركزه و لكن التفاوت يقوم بين الناس لأسباب لا علاقة لها بلك كله
أجل يتفاوت الناس بسبب اختلافهم في المواهب و الكفاية و العلم و الخلق و الأعمال
إنهم يولودن جميعاً متساوين ثم يتقدم و يمتاز منهم من تؤهله مواهبه و أعماله للتقدم و الامتياز
الجميع لهم الفرصة المتكافئة علي قدم المساواة
الاثنين، 4 يوليو 2011
الحرية للإنسان الفرد
لن يشعر الإنسان بالعدل في المجتمع إلا إذا أحس أنه أنسان حر في مجتمع حر ، و لن يحس لهذه الحرية إلا إذا تحرر من الخوف علي حياته و أمنه و رزقه و مستقبله .
و لقد حرص الإسلام علي أن ينبع الإحساس بهذا التحررمن نفس المسلم أولاً قبل أن يهئ الوسائل التشريعية لكفالته و لهذا كان الهدف الأول للإسلام هو أن يحرر الوجدان البشري تحريراً كاملاً ليكون الإنسان مستحقاً لما يناله من أسباب العدل الاجتماعي قادراً علي التمسك بها و الحفاظ عليها .
و لهذا بدأ الإسلام بتحرير الإنسان من عبادة أحد غير الله و تقديس أحد غير الله يقول سبحانه و تعالي :
و يذكرنا هذا بقول أبي العلاء المعري في لزومياته و يقصد الحكام الظالمين:
هذه الحرية و هذا التحرر هو أحد الأسس الئيسية التي يقوم عليها صرح العدالة الاجتماعية في الإسلام بل هو الركن الأول الذي تقوم عليه جميع الأركان
و لقد حرص الإسلام علي أن ينبع الإحساس بهذا التحررمن نفس المسلم أولاً قبل أن يهئ الوسائل التشريعية لكفالته و لهذا كان الهدف الأول للإسلام هو أن يحرر الوجدان البشري تحريراً كاملاً ليكون الإنسان مستحقاً لما يناله من أسباب العدل الاجتماعي قادراً علي التمسك بها و الحفاظ عليها .
و لهذا بدأ الإسلام بتحرير الإنسان من عبادة أحد غير الله و تقديس أحد غير الله يقول سبحانه و تعالي :
{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} سورة الإخلاص و يقول عز و جل : { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (سورة آل عمران64
هو الله الواحد الأحد لا يُعبد إلا هو و لا تعنو الجباه لسواه الكل خلقه و عبيده و محمد عبده و رسوله لا يملك لنفسه نفعاً و لا ضراَ من دون الله{ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20)قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21)قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22) } (سورة الجن 20-22 )و هكذا إذا تحرر الوجدان الإنساني من شعور العبادة و القداسة لأحد من عباد الله و انتفت الوساطة بين الله و عباده جميعاً شعر الإنسان بأنه قريب إلي الله و استشعرت نفسه العزة و القوة و تحررت من الخوف فلا يقبل العبودية لغير الله سبحانه و تعالي . هذا الشعور بالتحرر هو الذي كان يدفع ابا حازم أن يدخل علي معاوية بن ابي سفيان فلا يقول له " السلام عليكم يا أمير المومنين " و إنما يقول له " السلام عليك أيها الأجير "فإذا نهرته الحاشية و طلبت إليه أن يقول " السلام عليك أيها الأمير" أبي عليهم ذلك ثم التفت إلي معاوية و قال له : " إنما أنت أجير هذه الأمة .. استأجرك ربك لرعيتها "و يذكرنا هذا بقول أبي العلاء المعري في لزومياته و يقصد الحكام الظالمين:
ظلموا الرعية و استجازوا كيدها و عَدَوا مصالحها و هم أجراؤها
هذه الحرية التي نص عليها مياق حقوق الإنسان الذي وضعته الأمم المتحدة في القرن العشرين عندما قررت وثيقة الإنسان أن " الناس يولدون أحراراً متساوين " قررها الإسلام منذ أربعة عشر قرناً و كفلها للإنسان الفرد عندما أمنه علي حياته و حريته و حرمة مسكنه و كفل له حرية العبادة و حرية التفكير و التعبير و حرره من كل أنواع الخوفمتي استعبدتم الناس و قد و لدتهم أمهاتهم أحراراً ؟
كلمة قالها عمر بن الخطاب رضي الله عنه يؤكد فيها هذه الحقيقة التي قررها الإسلام ليقيم عليها قواعد المجتمعهذه الحرية و هذا التحرر هو أحد الأسس الئيسية التي يقوم عليها صرح العدالة الاجتماعية في الإسلام بل هو الركن الأول الذي تقوم عليه جميع الأركان
الأربعاء، 22 يونيو 2011
المواطنة في ظل المرجعية الإسلامية - د. محمد عمارة
المواطنة في ظل المرجعية الإسلامية - د. محمد عمارة
هل المواطنة لا بد أن تكون علمانية؟!
وهل تحقُّقُها يستلزم التخلي عن المرجعية الإسلامية في القانون والتشريع؟
إن المواطنة مفاعلة -أي تفاعل- بين الإنسان المواطن والوطن الذي ينتمي إليه ويعيش فيه, وهي علاقة تفاعل؛ لأنها ترتِّب للطرفين وعليهما العديد من الحقوق والواجبات؛ فلا بدَّ لقيام المواطنة أن يكون انتماء المواطن وولاؤه كاملين للوطن، يحترم هويته ويؤمنُ بها وينتمي إليها ويدافع عنها بكل ما في عناصر هذه الهويَّة من ثوابت اللغة والتاريخ والقِيَم والآداب العامَّة, والأرض التي تمثِّل وعاءَ الهوية والمواطنين, وولاء المواطن لوطنه يستلزم البراء من أعداء هذا الوطن طالما استمرَّ هذا العداء.
وكما أن للوطن هذه الحقوق -التي هي واجبات وفرائض- على المواطن, فإن لهذا المواطن على وطنه ومجتمعه وشعبه وأمته حقوقًا كذلك، من أهمها المساواة في تكافؤ الفرص, وانتفاء التمييز في الحقوق السياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة بسبب اللون أو الطبقة أو الاعتقاد, مع تحقيق التكافل الاجتماعي الذي يجعلُ الأمَّة جسدًا واحدًا, والشعب كيانًا مترابطًا, إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر أعضاء الجسد الواحد بالتكافل والتضامن والتساند والإنقاذ.
وإذا كان التطور الحضاري الغربي لم يعرف المواطنة وحقوقها إلا بعد الثورة الفرنسيَّة في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي؛ بسبب التمييز على أساس الدين بين الكاثوليك والبروتستانت,
وعلى أساس العِرْق بسبب الحروب القوميَّة,
وعلى أساس الجنس بسبب التمييز ضد النساء,
وعلى أساس اللون في التمييز ضد الملوَّنين؛
فإن المواطنة الكاملة والمساواة في الحقوق والواجبات قد اقترنتْ بظهور الإسلام, وتأسيس الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة سنة واحد هجرية (622م) على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم )وتحت قيادتِه.
فالإنسان -في الرؤية الإسلاميَّة- هو مطلق الإنسان, والتكريم الإلهي هو لجميع بني آدم
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} الإسراء: 70.
والخطاب القرآني موجَّه أساسًا إلى عموم الناس, ومعايير التفاضل بين الناس هي التقوى المفتوحة أبوابها أمام الجميع
{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].
بل قد جعل الإسلام الآخر الديني جزءًا من الذات, وذلك عندما أعلنَ أن دين الله على امتداد تاريخ النبوات والرسالات هو دين واحد, وأن التنوُّع في الشرائع الدينيَّة بين أمم الرسالات إنما هو تنوُّع في إطار وحدةِ هذا الدين
{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المائدة: 48].
ولقد وضعت الدولة الإسلاميَّة فلسفة المواطنة هذه في الممارسة والتطبيق, وقننتها في المواثيق والعهود الدستوريَّة منذ اللحظة الأولى لقيام هذه الدولة في السنة الأولى للهجرة؛
ففي أوَّل دستور لهذه الدولة تأسَّست الأمَّة على التعدديَّة الدينية, وعلى المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين المتعدِّدين في الدين والمتحدين في الأمَّة والمواطنة,
فنصُّ هذا الدستور -صحيفة دولة المدينة- على أن اليهود أمة مع المؤمنين, لليهود دينهم وللمسلمين دينهم, وأن لهم النصر والأسوة مع البر من أهل هذه الصحيفة, ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.. على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم, وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة, وأن بينهم النصح والنصيحة والبرّ دون الإثم.
هكذا تأسست المواطنة في ظلِّ المرجعية الإسلامية منذ اللحظة الأولى.
.......................
وهل تحقُّقُها يستلزم التخلي عن المرجعية الإسلامية في القانون والتشريع؟
إن المواطنة مفاعلة -أي تفاعل- بين الإنسان المواطن والوطن الذي ينتمي إليه ويعيش فيه, وهي علاقة تفاعل؛ لأنها ترتِّب للطرفين وعليهما العديد من الحقوق والواجبات؛ فلا بدَّ لقيام المواطنة أن يكون انتماء المواطن وولاؤه كاملين للوطن، يحترم هويته ويؤمنُ بها وينتمي إليها ويدافع عنها بكل ما في عناصر هذه الهويَّة من ثوابت اللغة والتاريخ والقِيَم والآداب العامَّة, والأرض التي تمثِّل وعاءَ الهوية والمواطنين, وولاء المواطن لوطنه يستلزم البراء من أعداء هذا الوطن طالما استمرَّ هذا العداء.
وكما أن للوطن هذه الحقوق -التي هي واجبات وفرائض- على المواطن, فإن لهذا المواطن على وطنه ومجتمعه وشعبه وأمته حقوقًا كذلك، من أهمها المساواة في تكافؤ الفرص, وانتفاء التمييز في الحقوق السياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة بسبب اللون أو الطبقة أو الاعتقاد, مع تحقيق التكافل الاجتماعي الذي يجعلُ الأمَّة جسدًا واحدًا, والشعب كيانًا مترابطًا, إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر أعضاء الجسد الواحد بالتكافل والتضامن والتساند والإنقاذ.
وإذا كان التطور الحضاري الغربي لم يعرف المواطنة وحقوقها إلا بعد الثورة الفرنسيَّة في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي؛ بسبب التمييز على أساس الدين بين الكاثوليك والبروتستانت,
وعلى أساس العِرْق بسبب الحروب القوميَّة,
وعلى أساس الجنس بسبب التمييز ضد النساء,
وعلى أساس اللون في التمييز ضد الملوَّنين؛
فإن المواطنة الكاملة والمساواة في الحقوق والواجبات قد اقترنتْ بظهور الإسلام, وتأسيس الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة سنة واحد هجرية (622م) على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم )وتحت قيادتِه.
فالإنسان -في الرؤية الإسلاميَّة- هو مطلق الإنسان, والتكريم الإلهي هو لجميع بني آدم
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} الإسراء: 70.
والخطاب القرآني موجَّه أساسًا إلى عموم الناس, ومعايير التفاضل بين الناس هي التقوى المفتوحة أبوابها أمام الجميع
{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].
بل قد جعل الإسلام الآخر الديني جزءًا من الذات, وذلك عندما أعلنَ أن دين الله على امتداد تاريخ النبوات والرسالات هو دين واحد, وأن التنوُّع في الشرائع الدينيَّة بين أمم الرسالات إنما هو تنوُّع في إطار وحدةِ هذا الدين
{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المائدة: 48].
ولقد وضعت الدولة الإسلاميَّة فلسفة المواطنة هذه في الممارسة والتطبيق, وقننتها في المواثيق والعهود الدستوريَّة منذ اللحظة الأولى لقيام هذه الدولة في السنة الأولى للهجرة؛
ففي أوَّل دستور لهذه الدولة تأسَّست الأمَّة على التعدديَّة الدينية, وعلى المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين المتعدِّدين في الدين والمتحدين في الأمَّة والمواطنة,
فنصُّ هذا الدستور -صحيفة دولة المدينة- على أن اليهود أمة مع المؤمنين, لليهود دينهم وللمسلمين دينهم, وأن لهم النصر والأسوة مع البر من أهل هذه الصحيفة, ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.. على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم, وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة, وأن بينهم النصح والنصيحة والبرّ دون الإثم.
هكذا تأسست المواطنة في ظلِّ المرجعية الإسلامية منذ اللحظة الأولى.
.......................
من موقع قصة الاسلام
الأحد، 5 يونيو 2011
كيف يكون لك بيت سعيد مستقر
هناك ثلاثة معالم ينبغي أن تتوفر في البيت المسلم هي:
السكينة والمودة والتراحم
وأعني بالسكينة: الاستقرار النفسي؛ فتكون الزوجة قرة عين لزوجها، لا يعدوها إلى أخرى، كما يكون الزوج قرة عين لامرأته لا تفكر في غيره.
أما المودة: فهي شعور متبادل بالحب يجعل العلاقة قائمة على الرضاء والسعادة ..
ويجيء دور الرحمة: لنعلم أن هذه الصفة أساس الأخلاق العظيمة في الرجال والنساء على حد سواء، فالله سبحانه يقول لنبيه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران:159].
وليست الرحمة لونًا من الشفقة العارضة، وإنما هي نبع للرقة الدائمة ودماثة الخلق وشرف السيرة.
وعندما تقوم البيوت على السكن المستقر، والود المتصل، والتراحم الحاني فإن الزواج يكون أشرف النعم، وأبركها أثرًا.
إذًا فمعادلة استقرار البيوت واستمرارها راسخة لا تتأثر بريح عاتية ولا تتزعزع لظروف مفاجئة تهز البنيان وتعود الأركان مبناها على أمرين اثنين هما: التفاهم والحب؛ والحب هو سبيل التفاهم.
إذًا: تفاهم + حب = بيت سعيد مستقر
الأربعاء، 1 يونيو 2011
رُب همة أحيت أُمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين الذي أحيا به الله أمة وأرشد به السالكين .
أما بعد
فرب همة أحيت أمة ورب نملة أنجت قرية ورب حاكم أيقظ دولة ورب هدهد هدى مملكة .
أعمال صغيرة ونتائج كبيرة نبعت من قلب مخلص محب للخير وهداية الناس ، أعمال بسيطة من أشخاص بسطاء لا يعدون شيء أمام الناس ولكنهم عند الله عظماء ، عملوا لله ولم يعرفوا نتائج عملهم فبارك الله في أعمالهم وأحيا بهم أمماً .
فها هو يونس بتوبته الصادقة رجعه الله إلى مئة ألف أو يزيدون .
وها هو أبو بكر الصديق الذي أنقذ الإسلام بموقف يوم الردة فحمى الإسلام إلى يوم الدين .
وها هو عثمان بن عفان يجهز جيش العسرة ويشتري البئر ليسقي المسلمين فأشترى الجنة بماله وأحيا أمته .
وها هو الهدهد عندما ذهب من تلقاء نفسه إلى سبأ وكيف تحرك من دون أمر سليمان فكان سبباً في إسلامهم .
وها هي نملة سليمان أنقذت شعبها ولم تحتمي لوحدها بل بادرت وخاطرت بنفسها فأنقذت قرية .
وها هو الحسن بن علي يتنازل عن الخلافة فيصلح الله به بين المسلمين .وها هو الحسن البصري يعظ الناس بفعله قبل عمله فيحي الله به النفوس .
وها هو عمر بن عبد العزيز بهمة صادقة وقلب مخلص أحيا الأمة وأصلحها في سنتين .
وها هي أم ربيعة الرأي أنفقت كل جهدها ووقتها ومالها في إخراج عالم للأمة فقد تخرج على يديه كوكبة من العلماء .
وها هو أحمد بن حنبل الذي وقف أمام الجلاد صامداً كالجبل الأشم فحمى الأمة من الانحراف .
وها هي المرأة التي حلقت شعرها لتكون لجام لفارس فبكى الناس فأحيت الناس للجهاد .
وها هو أبو ذر الغفاري أسلم وأسلمت معه قبيلته عن بكرة أبيها .
وها هو فتى أصحاب الأخدود بثباته وقوله الحق أحيى أمته وكان سبب دخولهم الجنة .
وها هو صلاح الدين ما نامت له عين ولا ضحكت له سن حتى أعاد للأمة مسجدها الأقصى .
وها هو ابن القيم الذي أتحف الناس بمؤلفاته وعلمه الغزير فكان بحراً للعلماء والعاملين .وهذا ابن الجوزي الذي بكت لمواعظه الدموع وأحيت مؤلفاته الناس والروح .
وهاهو الحسن البنا ينشيء جيل بعده بل أجيال إلى هذا اليوم تتلألأ في الآفاق جراء دعوته.
هؤلاء كانت حياتهم لله ولنصرة دينه وأمته ولم تكن هذه الأعمال الوحيدة التي عملوها بل كانت كل حياتهم عمل وجد واجتهاد فكانت هذه الأعمال الصغيرة هي ثمرات عملهم الدءوب وبشارة من الله في الدنيا قبل الآخرة ، والأعمال التي تعملها لا تدري ما التي يبارك الله فيها (( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون )) ، فأنت عليك العمل وعلى الله النتائج ، ولا تستهن بالأعمال الصغيرة والكبيرة فكلما وجدت فرصة لعمل الخير اعمله فخير المعروف عاجله، ابتسامة صادقة ، لمسة حانية على يتيم ، صدقة سر أو علانية ، سرور تدخله على أخيك المؤمن ، زيارة مريض ، مقالة مفيدة ، نصيحة لأخيك ، جلوس مع أطفالك .
أعمال كثيرة تحتاج ليد عاملة وهمة عالية وقلب صادق محب .
كلمات خرجت من القلب لعلها تلامس القلوب فتتحول لأعمال عظيمة تحيا بها أنفسنا وأهلينا وأمتنا والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله .
رُب همة أحيت أُمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين الذي أحيا به الله أمة وأرشد به السالكين .
أما بعد
فرب همة أحيت أمة ورب نملة أنجت قرية ورب حاكم أيقظ دولة ورب هدهد هدى مملكة .
أعمال صغيرة ونتائج كبيرة نبعت من قلب مخلص محب للخير وهداية الناس ، أعمال بسيطة من أشخاص بسطاء لا يعدون شيء أمام الناس ولكنهم عند الله عظماء ، عملوا لله ولم يعرفوا نتائج عملهم فبارك الله في أعمالهم وأحيا بهم أمماً .
فها هو يونس بتوبته الصادقة رجعه الله إلى مئة ألف أو يزيدون .
وها هو أبو بكر الصديق الذي أنقذ الإسلام بموقف يوم الردة فحمى الإسلام إلى يوم الدين .
وها هو عثمان بن عفان يجهز جيش العسرة ويشتري البئر ليسقي المسلمين فأشترى الجنة بماله وأحيا أمته .
وها هو الهدهد عندما ذهب من تلقاء نفسه إلى سبأ وكيف تحرك من دون أمر سليمان فكان سبباً في إسلامهم .
وها هي نملة سليمان أنقذت شعبها ولم تحتمي لوحدها بل بادرت وخاطرت بنفسها فأنقذت قرية .
وها هو الحسن بن علي يتنازل عن الخلافة فيصلح الله به بين المسلمين .وها هو الحسن البصري يعظ الناس بفعله قبل عمله فيحي الله به النفوس .
وها هو عمر بن عبد العزيز بهمة صادقة وقلب مخلص أحيا الأمة وأصلحها في سنتين .
وها هي أم ربيعة الرأي أنفقت كل جهدها ووقتها ومالها في إخراج عالم للأمة فقد تخرج على يديه كوكبة من العلماء .
وها هو أحمد بن حنبل الذي وقف أمام الجلاد صامداً كالجبل الأشم فحمى الأمة من الانحراف .
وها هي المرأة التي حلقت شعرها لتكون لجام لفارس فبكى الناس فأحيت الناس للجهاد .
وها هو أبو ذر الغفاري أسلم وأسلمت معه قبيلته عن بكرة أبيها .
وها هو فتى أصحاب الأخدود بثباته وقوله الحق أحيى أمته وكان سبب دخولهم الجنة .
وها هو صلاح الدين ما نامت له عين ولا ضحكت له سن حتى أعاد للأمة مسجدها الأقصى .
وها هو ابن القيم الذي أتحف الناس بمؤلفاته وعلمه الغزير فكان بحراً للعلماء والعاملين .وهذا ابن الجوزي الذي بكت لمواعظه الدموع وأحيت مؤلفاته الناس والروح .
وهاهو الحسن البنا ينشيء جيل بعده بل أجيال إلى هذا اليوم تتلألأ في الآفاق جراء دعوته.
هؤلاء كانت حياتهم لله ولنصرة دينه وأمته ولم تكن هذه الأعمال الوحيدة التي عملوها بل كانت كل حياتهم عمل وجد واجتهاد فكانت هذه الأعمال الصغيرة هي ثمرات عملهم الدءوب وبشارة من الله في الدنيا قبل الآخرة ، والأعمال التي تعملها لا تدري ما التي يبارك الله فيها (( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون )) ، فأنت عليك العمل وعلى الله النتائج ، ولا تستهن بالأعمال الصغيرة والكبيرة فكلما وجدت فرصة لعمل الخير اعمله فخير المعروف عاجله، ابتسامة صادقة ، لمسة حانية على يتيم ، صدقة سر أو علانية ، سرور تدخله على أخيك المؤمن ، زيارة مريض ، مقالة مفيدة ، نصيحة لأخيك ، جلوس مع أطفالك .
أعمال كثيرة تحتاج ليد عاملة وهمة عالية وقلب صادق محب .
كلمات خرجت من القلب لعلها تلامس القلوب فتتحول لأعمال عظيمة تحيا بها أنفسنا وأهلينا وأمتنا والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله .
الأحد، 15 مايو 2011
الصلاح.. صفة الشخص الطموح للنجاة من الأزمات
الصلاح في اللغة: مصدر «صلح» الشيءُ يَصْلَحُ ويصلُحُ صَلاَحًا وهو ضد الفساد ويقال فيه أيضًا صَلَحَ صُلُوحًا والوصف من صالح وصلح ورجل مُصْلح في أعماله وأموره وقد أصلحه الله.
واصطلاحًا: هو سلوك طريق الهدى.
وقيل: وهو استقامة الحال على ما يدعو إليه (الشرع) والعقل.
والصالح: المستقيم الحال في نفسه.
وقال بعضهم: هو القائم بما عليه من حقوق الله وحقوق العباد، والكمال في الإصلاح منتهى درجات المؤمنين ومُتمَنى الأنبياء المرسلين.
وقيل: التغير إلى الاستقامة في الحال وضده الفساد.
وذكر أهل التفسير أن الصلاح في القرآن على أوجه:
الأول: الإيمان، ومنه قوله تعالى: "جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ"(الرعد: 23).
الثاني: علو المنزلة، ومنه قوله تعالى: "وَإِنَّهُ فِي الآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ" (البقرة: 130).
الثالث: تسوية الخلق، ومنه قوله تعالى: " لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا" (الأعراف: 189)، أي سويَّ الخلق.
الرابع: يكون بمعنى الرفق، ومنه قوله تعالى: "سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ" (القصص: 27)، أي الرافقين بك.
الخامس: يكون بمعنى الإحسان، كما في قوله تعالى: "إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ" (هود: 88).
السادس: يكون بمعنى الطاعة، كما في قوله تعالى: "إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ" (البقرة: 11)، يعني مطيعين لله عزَّ وجل.
السابع: يكون بمعنى الأمانة، كما في قوله تعالى: "وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا" (الكهف: 82)، يعني ذا أمانة.
وهذا هو المطلوب من الرجل الطموح الصالح..
مطلوب منه: الإيمان وعلو المنزلة وتسوية الخلق والرفق والإحسان والطاعة والأمانة، عندها سيلبي الله له ما يشاء عند الدعاء، شأنه كشأن ما ورد في صحيح البخاري عن الثلاثةِ نفر الذين أوَوْا إلى غار في جبل فأُغلق بصخرة، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالاً عملتموها صالحةً فادعوا الله بها لعله يفرجها.
فكان من الثلاثة، الصفاتُ السابقة كلها؛ في الصلاح مع الوالدين والأجير والخوف من الله، ففرج الله عنهم، طامحين بصلاحهم في الله، فاستجاب لهم ونجوْا مما هم فيه.
الصلاح مطلوب للطموح، حتى ينجوَ من أحداث وأزمات ومشكلات ستحدث له، عندها لن يجد سوى صلاحه يسنده بعد الله عز وجل، ليخرج من هذه الأحداث.
هذا في الدنيا.. أما في الآخرة:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» صحيح البخاري، مصداق ذلك في كتاب الله: "فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"(السجدة: 17).
وهذا الشافعي يقول:
أحب الصالحين ولست منهم
لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي
ولو كنا سواءً في البضاعة
وقال يحيى بن معين:
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد
ذخرًا يكون كصالح الأعمال
وقال أبو العتاهية:
وإذا تناسبت الرجال فما أرى
نسبًا يقاس بصالح الأعمال
وإذا بحثت عن التقي وجدته
رجلاً يصدِّق قوله بفعال
وإذا اتقى الله امرؤٌ وأطاعه
فتراه بين مكارم ومعالي
أنت تحتاج إلى الصلاح في طريق طموحك الطويل، فهو لك:
دليل كمال الإيمان وحسن الإسلام.
به تجلب النعم وتدفع النقم.
علامة على حسن الخاتمة.
طريق موصل إلى الجنة.
سبيل إلى الاستخلاف في الأرض.
طريق إلى الحياة الطيبة.
سبيل إلى النصر في الدنيا والآخرة.
يثمر محبة الله ثم محبة الناس.
وقاية من خطر الذنوب والمعاصي.
فهل ستتمسك به أم ستتخلى عنه، وبالتالي تتخلى عن رحلتك مع نفسك؟
د. محمد فتحي – خبير التنمية البشرية والتطوير الإداري
الأربعاء، 11 مايو 2011
ألم تر إلى ربك كيف يُحبُّك ؟
إننا جميعًا نتمنى محبة الله عز وجل لنا، ولو تفكَّرنا وتأملنا في طريقة معاملة الله لنا لتأكدنا أنه سبحانه يُريد لنا وللناس جميعًا الخير، وأن محبته لنا سبقت وجودنا، وأن مُراده دخول الجميع جنته ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾ [يونس : 25].
وكلما تفكَّرنا في جوانب حُب الله لعباده ازددنا حُبًّا له، وحياء منه سبحانه، وأصبحت أُمنيتنا هي : كيف نُحب الله كما يُحبنا، وكيف نتودد إليه كما يتودد إلينا ؟
خلقنا في أحسن تقويم :
الله عز وجل هو الذي خلقنا من العدم، ولم نكن قبل ذلك شيئًا مذكورًا، وقد أوجَدنا سبحانه في أحسن صورة ﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾ [غافر : 64] .
كرَّمنا على جميع خلقه، ونفخ فينا من روحه، وأسجد لأبينا ملائكته، وهيأ الكون كله لخدمتنا بلا مقابل، فالأرض تُخرج لنا الطعام، والسماء تُنزل الماء، والشمس تمدنا بالدفء والضياء، والقمر يُعرفنا الأيام والشهور .. الدواب تحملنا، والنحل يمدنا بالعسل، والأنعام تُخرج لنا اللبن، والأزهار تُشعرنا بالبهجة ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ [النحل : 10 - 13] .
إلهٌ قيُّوم :
الله عز وجل يقوم على شؤون عباده جميعًا، يرعانا بالليل والنهار .. يقبض أرواحنا فننام ونرتاح، ثم يُعيدها لنا فنستيقظ ونستأنف حركتنا في الحياة .. هكذا كل يوم ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ [الروم : 23] .
يمدنا بمقوِّمات الحياة مع كل طرفة عين .. يمد أجهزة الجسم المختلفة بالقدرة على القيام بوظائفها .. يمد اللسان بالقدرة على الكلام، والعين بالقدرة على الرؤية، والأنف بالقدرة على الشم، والأذن بالقدرة على السمع، واليد بالقدرة على الحركة والبطش، والرجل على المشي وحمل الجسم، والقلب بالقدرة على ضخ الدم حوالي سبعين مرة في الدقيقة الواحدة .. يمد كل خلية في الجسم – كل طرفة عين – بأسباب حياتها ﴿ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر ﴾ [يونس : 22] .
فنحن جميعًا من الله خَلقًا وإيجادًا، وبالله رعاية وإمدادًا، فلا حول ولا قوة إلا به سبحانه ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ [النحل : 53] .
حليم ستير :
ربنا حليم ستير، يرانا نعصيه مرات ومرات فلا يفضحنا، ولا يهتك سترنا، بل يسترنا ويحلم علينا، ويُمهلنا علَّنا نتوب ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾ [فاطر : 45] .
رب صبور .. يصبر على أذى عباده وكفرهم وجحودهم مع قدرته المطلقة عليهم .. يقول صلى الله عليه وسلم « ليس أحد أصبر على أذى سمعه من الله تعالى، إنهم ليدَّعون له ولدًا، ويجعلون له أندادًا، وهو مع ذلك يُعافيهم ويرزقهم [1] .
ربٌ رحيم :
رحمته وسعت كل شيء، حتى العاصين له، المنكرين لوجوده، يُطعمهم ويسقيهم ولا يمنع رزقه عنهم .
.. أنزل في الأرض جزءا من مائة جزء من رحمته يتراحم بها خلقه، واختزن لنا عنده تسعة وتسعين جزءًا لوقت سنكون فيه أحوج ما نكون إلى تلك الرحمات .
قال صلى الله عليه وسلم : « إن ربكم رحيم ؛ من همَّ بحسنة فلم يعملها كُتبت له حسنة، فإن عملها كُتبت عشرًا، إلى سبعمائة، إلى أضعاف كثيرة، ومن همَّ بسيئة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت واحدة، أو يمحوها الله، ولا يهلك على الله إلا هالك »[2] .
إلهٌ رؤوف :
ربنا رب رؤوف، حنان .. أحن علينا من آبائنا وأمهاتنا وأزواجنا وأبنائنا .. إذا ابتلانا بمرض فإنه لا يحرمنا معه الأجر .. قال صلى الله عليه وسلم : « ما أحد من المسلمين يصاب ببلاء في جسده إلا أمر الله الحفظة الذين يحفظونه فقال : اكتبوا لعبدي هذا في كل يوم وليلة ما كان يعمله في الصحة من الخير ما دام محبوسًا في وثاقي[3] .
.. نعم – أخي – هذا هو ربنا الرؤوف « إن الله يُنزل المعونة على قدر المؤنة، ويُنزل الصبر على قدر البلاء »[4]
لا يُريدنا أن ندخل النار، فيظل يُخوفنا ويُخوفنا منها، ويُظهرها لنا بصورة بشعة مؤلمة قاسية، حتى نعمل على الهرب منها ﴿ لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ﴾ [الزمر : 16] .
ويعرض – سبحانه – لنا الجنة بصورة جميلة مبهرة تفوق الوصف، حتى نسعى حثيثًا للوصول إليها ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا ﴾ [الإنسان : 20] .
لعلهم يرجعون :
مُراده – سبحانه – دخول الجميع الجنة، لكنه لا يقهر أحدًا على الإيمان به، وإلا انتفت الحكمة من خلق الإنسان وتمتعه بحرية الاختيار، ولصار كسائر المخلوقات .
ولأنه سبحانه يُريد لعباده دخول جنته، وهم في غفلة معرضون لذلك فهو يبتليهم بألوان شتى من الابتلاءات حتى يفيقوا من غفلتهم ويعودوا إليه .
فكل ما يَرِد على الإنسان من أشكال المنع كالمرض والنقص في الرزق والأمن فإن الحكمة الأساسية منه هو إخراجه من حالة الغفلة إلى اليقظة، ورجوعه إلى الله .. تأمل معي هذه الآيات التي تؤكد هذا المعنى :
﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم : 41] .
﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [السجدة : 21] .
﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الأعراف : 168] .
﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الأعراف : 174] .
﴿ وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الزخرف : 48] .
بل إن الهموم التي تهجم على العبد صورة من صور التنبيه وتكفير الذنوب، يقول صلى الله عليه وسلم : « إذا كثرت ذنوب العبد فلم يكن له من العمل ما يكفرها ابتلاه الله بالحزن ليكفرها عنه» [5] .
ربٌ شكور :
ربنا ربٌ شكور .. يشكر عمل عبده – مع قلته - ويعظم له به الأجر ..
.. يقول صلى الله عليه وسلم : « بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق، فأخره فشكر الله له، فغفر له »[6] .
ويقول : «كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه »[7]
ربٌ غفور :
أتدري – أخي – ما هي دعوة الله التي يدعو عباده إليها ؟
إنها المغفرة .. يدعوهم لكي يستغفروه فيغفر لهم، ويستسمحوه فيُسامحهم مهما كانت أخطاؤهم ..
وهو مع غناه المطلق عنهم ينتظرهم ليُلبُّوا دعوته ﴿ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ﴾ [إبراهيم : 10] .
﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ﴾ [البقرة : 221] .
﴿ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ﴾ [البقرة : 268] .
.. أيُ غفلة نحن فيها ؟!
ربنا العظيم، مالك الملك، الغني الحميد، الذي لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضرُّه معصية العاصين، يستحثنا لتلبية دعوته .. للعفو والصفح والمغفرة .
ينادي على العاصين الذين بارزوه بالمعاصي ﴿ قلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر : 53] .
لا يتعاظم لديه ذنب أن يغفره، بل يغفر ولا يُبالي ..
عن أنس بن مالك قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « والذي نفسي بيده، لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله لغفر لكم » [8].
ومن هذا الذي تملأ خطاياه ما بين السماء والأرض ؟!
لكنه خطاب تطمين وتحفيز للمسارعة إلى نيل المغفرة وانتهاز الفرصة قبل فوات الأوان ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾ [آل عمران : 133] .
﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الحديد : 21] .
بابه مفتوح للجميع :
الله عز وجل لا يُغلق بابه في وجه سائل .. ينتظر توبة عبده، ويفرح بها أيما فرح، ويُكافئه عليها مكافأة فورية بأن يُبدل سيئاته حسنات، ليبدأ حياته الجديدة برصيد كبير منها ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الفرقان : 70] .
ينتظر من عبده أية التفاتة صادقة ليُقبل عليه، وأي شعور بالندم على ما مضى منه من تفريط، ورغبة في التوبة إليه، فيغفر له ولا يُبالي .
يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، فإذا تاب عبد من عباده كان – سبحانه – أفرح بتوبته من ذاك الذي تاهت راحلته في الصحراء وعليها كل أسباب حياته .
فقل لي – بربك – لماذا يفرح كل هذا الفرح ؟!
هل يُزيد هذا التائب في خزائن ربك أو ملكه شيئًا ؟
هل تنقُص خزائن ربك إذا ظل ذلك العبد عاصيًا ؟
كلا .. فلماذا إذن ؟
هل هناك إجابة غير أنه يُحبنا ويُريد لنا الخير ودخول جنته، ويخاف علينا من دخول النار ؟
فأي رب رحيم ودود هو ربنا ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب : 43] .
.. جاء في الحديث : « ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه أن يُغرق ابن آدم، والملائكة تستأذن أن تُعجله وتهلكه، والرب يقول : دعوا عبدي، فأنا أعلم به إذ أنشأته من الأرض، إن كان عبدكم فشأنكم به، وإن كان عبدي فمني إلى عبدي، وعزتي وجلالي إن أتاني ليلًا قبلته، وإن أتاني نهارًا قبلته، وإن تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، وإن تقرب مني ذراعًا تقربت باعًا، وإن مشي إليّ هرولت إليه، وإن استغفرني غفرت له، وإن استقالني أقلته، وإن تاب إليّ تُبت عليه.مَن أعظم مني جودًا وأنا الجواد الكريم ؟ عبادي يبيتون يُبارزوني بالعظائم، وأنا أكلؤهم[9] في مضاجعهم، وأحرسهم على فُرُشهم، من أقبَل تَلقَّيته من بعيد، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد، ومن تصرَّف بحولي وقوتي ألَنْت له الحديد، ومن أراد مُرادي أردت ما يُريد.أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أُقنطهم من رحمتي، فإن تابوا إليّ فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأُطهرهم من المعاصي »[10].
فماذا تقول بعد ذلك ؟
ألا توافقني – أخي – أن باب التشويق والترغيب في الله باب عظيم يُلهب مشاعر من يدخل منه، ويوقظ الإيمان في قلبه، ويدفعه إلى المسارعة إلى الله وطلب مغفرته ومحبته، مع أن ما ذُكر لا يُساوي قطرة في بحر وُدُّه .
فإن كان الأمر كذلك ؛ فعلينا أن نُحسن الدخول من هذا الباب، وبخاصة ونحن في بداية رحلتنا الإيمانية وسيرنا نحو الله عز وجل، وهذا يحتاج منا إلى تفكُّر في مظاهر أسمائه وصفاته التي لها علاقة بهذا الأمر، كالوهاب، والرزاق، والمُنعم، والودود، والرحيم، والحليم، والصبور، والغفور، واللطيف ..
هذا التفكُّر يشمل القرآن والكون، أما القرآن فالمتفكر فيه يرى مظاهر حب الله لعباده تقطر من آياته، فخطاب الترغيب في الله والتشويق إليه هو الغالب عليه، ويكفيك في هذا أن سُوَرة تبدأ بـ : « بسم الله الرحمن الرحيم » .. ولا تبدأ بأسماء أخرى من أسمائه سبحانه، وكأن هذه البداية تحمل رسالة تطمين للجميع، وتقول له : أقبل ولا تخف، فربك « رحمن رحيم » .
من هنا نقول بأن القرآن هو أعظم وسيلة للتعرف على الله وتنمية حبِّه والشوق إليه في القلب، فعلينا لزوم هذا الكتاب والمدوامة على قراءته والبحث من خلاله على هذه المعاني .
وأما الكون فالمتفكر فيه يرى الكثير والكثير من آثار حب الله لعباده كمظاهر حلمه وستره وطول إمهاله لهم، وتوالي نِعَمه عليهم .
ومع التفكر في القرآن والكون تأتي أهمية القيام بأعمال صالحة لها علاقة وثيقة بتثبيت عُرى المحبة لله في القلب كإحصاء النعم، ومُناجاة الله بها، وسجود الشكر عند ورود النعم الكبيرة، والقيام برحلات الاعتبار ورؤية أهل البلاء، والقيام كذلك بتحبيب الناس في الله عز وجل.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)